الخطيب الشربيني
303
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الخيل ستة وثلاثين فرسا ، وكان هذا أول فيء وضع فيه السهمان ، وجرى على سننه في المغازي واصطفى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن قريظة . وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت : يا رسول الله تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها ، وكانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ووجد في نفسه من أمرها ، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال : إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة ، فجاءه فقال : يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك . روي أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال : إنكم في منازلكم وقال عمر : إنا نخمس كما خمست يوم بدر ، قال : لا إنما جعلت هذه طعمة لي دون الناس قال : رضينا بما صنع الله ورسوله . وأنزل الله تعالى توبة أبي لبابة على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة ، فسمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يضحك فقالت : مم تضحك يا رسول الله أضحك الله تعالى سنك فقال : تيب على أبي لبابة فقالت : ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله تعالى عليك ، فثار الناس إليه ليطلقوه فقال : لا والله حتى يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده ، فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه ، ومات سعد بن معاذ بعد انقضاء غزوة بني قريظة . قالت عائشة : فحضره رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي ، قالت : وكانوا كما قال الله تعالى رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] واختلف في تفسير قوله تعالى وَأَرْضاً أي : وأورثكم أرضا لَمْ تَطَؤُها فعن مقاتل أنها خيبر وعليه أكثر المفسرين ، وعن الحسن فارس والروم ، وعن قتادة كما تحدث أنها مكة ، وعن عكرمة كل أرض تفتح إلى القيامة ، ومن بدع التفسير أنه أراد نساءهم انتهى . ولما كان ذلك أمرا باهرا سهله بقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ أي : أزلا وأبدا بما له من صفات الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ هذا وغيره قَدِيراً أي : شامل القدرة ، روى أبو هريرة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يقول : « لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده » « 1 » . ولما أرشد الله تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم إلى جانب ما يتعلق بجانب التعظيم لله تعالى بقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة ، وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة فقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ أي : نسائك إِنْ كُنْتُنَّ أي : كونا راسخا تُرِدْنَ أي : اختيارا على الْحَياةَ ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ، ويذكر من له عقل بالآخرة بقوله تعالى : الدُّنْيا أي : ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة وَزِينَتَها أي : المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه لأنها قاطعة عنه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4114 ، ومسلم في الحج حديث 1218 ، وأبو داود في المناسك حديث 1905 .